ارتجالات إبداعية يعيد ألق اللوحة العراقية في الثمانينات

الدستور – محمد العامري 12/7/2005

 

معرض ارتجالات إبداعية الذي يقام حالياً في جاليري 4 جدران مساحة مهمة من الفن العراقي المعاصر حيث يجمع المعرض كوكبة من الفنانين الذي يمتلكون خصوصية فنية تراكمت عبر سنين التجريب واختبار الشكل والمادة والشروع في ايجاد طرائق جديدة تخدم فكرة الابتكار في المادة البصرية، واعتقد أن هذا المعرض جاء ردا غير مباشر على ارتكاسات العروض في بعض المعارض العراقية حيث يعيدني معرض ارتجالات إبداعية الى ألق اللوحة العراقية في الثمانينيات والتي شكلت حضورها الملفت في مساحة العروض الأردنية تحديداً تلك المعارض التي كانت تقام في جاليري عالية انذاك، المعرض الذي يشارك فيه كل من الفنانين ضياء العزاوي ورافع الناصري وعلي طالب وكريم رسن ونزار يحيى وغسان غائب ومحمود العبيدي، فهم مجموعة من الأجيال التي توارثت منطقة الجدية في العمل الفني وشكلت شكلها الجمالي من خلال سياقات المغامرة الفنية وكسر الاعتياد في اللوحة العراقية والوصول بها إلى المنافسة الحقيقية مع المحيط التشكيلي العربي.

فالفنان ضياء عزاوي الذي عرف في الغرب والشرق في اشكاله وتلوينيته الممتعة قدم اعمالاً في مداها إلى استنطاق الشكل والطاقة التعبيرية في اللون من خلال ياغات عرف بها الفنان ويطرح العزاوي مفردة الطائر وتجليات فكرة الهجرة التي سبق وأن طرحها في مشروعه الإبداعي مع الكاتب حليم بركات في كتاب طائر الحوم ويعتبر العزاوي من أوائل الفنانين العراقيين الذين اشتغلوا على فكرة (الأرت بوك) وانني اعتبر العزاوي فنان مشاريع ابداعية أما الفنان الناصري فقد قدم أعمالاً قوية على أكثر من صعيد كالتقنية والبناء الفني وتوظيفاته للحرف حيث تثير لوحة الناصري لذة من نوع خاص أناقة اللوحة التي وصلت إلى مصاف التصوف اللوني وانثيالاته داخل السطح التصويري حيث ينتاب مشاهدها بالموسيقى السلسة والناعمة التي تأخذنا إلى مناطق الحلم الجميل فالناصري فنان خبير في إيجاد حلول بصرية لتكويناته الفنية وقد جاءت تلك الخبرة من كونه جرافيكياً محترفاُ وعلى صعيد اخر نستطيع ان نمسك بإحساسه العميق في انتاج ملامس فاعلة داخل سطحه التصويري ونتاج مفارقات بين فكرتي الإضاءة والإعتام والتي أضفت جلالاً على مجمل العمل الفني بينما ذهب الفنان علي طالب إلى تقديم تجربة جديدة تشكل تحولاً في سياقات التجربة ذاتها فقد ذهب إلى الإستغناء عن تشخيصاته للوجوه نحو تجريدية تعبيرية فاعلة من خلال الكولاج والمعاجين والتلوين إنها التحولات الطبيعية لتجربة حازت على حضور قوي في الساحات التشكيلية، أما الفنان كريم رسن الذي قدم تجربة لها امتدادات معرضه الخير في جاليري الأندى حيث يطرح أثر الزمن في السطح التصويري من خلال مفردة الزقورة والعمل على تقنيات تجمع بين الحس الغرافيكي والرسم وعبر عن ذلك من خلال الحفر في السطح وانتاج مستويات متعددة في المساحة الواحدة إضافة إلى ثراء اللون التي تمتلكه تلك الأعمال بينما استطاع نزار يحيى أن يكرر خصوصيته الفنية عبر سياقات اعتمدت على التجريد الكامل المشفوع برؤية جمالية خالصة من خلال تنويعات في البناء وتقطيع العمل إلى فراغات ليصل في بعض المراحل إلى النحت الملون أما غسان غائب فهو فنان دأب على تحوير وتثوير الشكل المثلث ليشكل فضاءه الخاص الذي تحقق عبر توظيف المواد المختلفة في السطح الواحد مثل المعدن وكولاج الأقمشة والورق وصولا إلى طرائق المفارقات والحوار بين المساحات الملونة والفارغة واستطاع أن يتجاوز نفسه في مغامرة العمل الذي اتخذ من خارطة بغداد فضاء له وإيجاد رمزية سياسية وجمالية على حد سواء أما العبيدي الذي عرف بأحجامه الكبيرة والتي تشير إلى طاقة الفنان التعبيرية الهائلة في السيطرة على تلك المساحات من خلال وعي فني متقدم فنجده قد قدم مجموعة من الكتب الفنية التي جاءت على شكل حقائب تحمل في طياتها نقداً سياسياً لما يحدث في وطنه العراق وقد أصبحت تجربته ذات شخصية وخصوصية كونه من الفنانين الذين لا يتوقفون عند قناعة محددة في العمل الفني.